محمد جمال الدين القاسمي
469
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 53 إلى 54 ] وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً ( 53 ) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 54 ) وَقُلْ لِعِبادِي أي الذين آمنوا معك . إرادة تقريب أصحابهم إلى الصواب ، كأمر البعث يَقُولُوا في النصيحة ، الكلمة الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي فلا يخاشنوا أحدا ولا يغلطوا بالقول إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ أي يفسد ويهيج الشر والمراء : لتقع بينهم المضارّة إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً وقوله تعالى : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ خطاب لهؤلاء المشركين من قريش . أي إن يشأ يرحمكم فيتوب عليكم برحمته وتنيبوا إليه . وإن يشأ يعذبكم بأن يخذلكم عن الإيمان ، فتموتوا على الشرك فيعذبكم عليه يوم القيامة . وقوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا أي موكولا إليك أمرهم . تقسرهم على الإيمان . وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا ، تبلغهم رسالاتنا . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 55 ] وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 55 ) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي فلا يخفى عليه شيء فيهما . فهو أعلم بهؤلاء ضرورة . وفيه إشارة إلى رحمته تعالى ببعثة الرسل . لحاجة الخلق إليها . وإلى مشيئته فيمن يصطفي لرسالته ، ويختار لنبوّته . ويعلمه أهلا لها . وقوله تعالى : وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ أي لاقتضاء علمه وحكمته ذلك . فإنه أعلم بمن في السماوات والأرض وأحوالهم . فآتى موسى التوراة وكلمه . وعيسى الإنجيل وداود الزبور . فضلهم بما آتاهم على غيرهم . وقد آتى محمدا القرآن ففضله به على الأنبياء كافة . وقوله تعالى : وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً أي يشتمل على الحكمة وفصل الخطاب ، ففضلناه به . قيل : الآية ردّ عليهم إذ استبعدوا أن يكون صلى اللّه عليه وسلم نبيا ، دون من يعدّونه عظيما بينهم في الغنى والجاه ، وذكر من في السماوات لإبطال قولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [ الفرقان : 21 ] وذكر من في الأرض لرد قولهم : لَوْ لا